فصل: تفسير الآيات رقم (21- 26)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعالبي المسمى بـ «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏10‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ‏}‏‏:‏ يريد في بيعة الرضوان، وهي بيعة الشجرة، حين أخذ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الأهبة لقتال قريش، لِمَا بَلَغَهُ قتل عثمانَ بن عفانَ، رسولِهِ إليهم، وذلك قبل أن ينصرفَ من الحُدَيْبِيَّةِ، وكان في ألف وأربعمائة، وبايعهم صلى الله عليه وسلم على الصبر المتناهي في قتال العَدُوّ إلى أقصى الجهد حتى قال سَلَمَةُ بن الأكوع وغيره‏:‏ بايعنا رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم على الموت، وقال عبد اللَّه بن عمر، وجابر بن عبد اللَّه‏:‏ بايعنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على أَلاَّ نَفِرّ، والمبايعة في هذه الآية مُفَاعَلَةٌ من البيع؛ لأنَّ اللَّه تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأَنَّ لهم الجنة، ومعنى ‏{‏إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله‏}‏ أَنَّ صفقتهم إنما يمضيها ويمنح الثمن اللَّه تعالى‏.‏

* ت *‏:‏ وهذا تفسير لا يَمَسُّ الآية، ولا بُدَّ، وقال الثعلبيُّ‏:‏ «إنما يبايعون اللَّه» أي‏:‏ أخذك البيعة عليهم عقد اللَّه عليهم، انتهى، وهذا تفسير حسن‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَدُ الله‏}‏ قال جمهور المتأولين‏:‏ اليد بمعنى النعمة، إذْ نعمة اللَّه في نفس هذه المبايعة لما يستقبل من محاسنها «فَوْقَ أَيْدِيهِمْ»‏:‏ التي مَدُّوها لبيعتك، وقيل‏:‏ المعنى‏:‏ قُوَّةُ اللَّه فوقَ قُوَاهُمْ في نصرك‏.‏

* ت *‏:‏ وقال الثعلبيُّ‏:‏ «يد اللَّه فوق أيديهم» أي‏:‏ بالوفاء والعهد، وقيل‏:‏ بالثواب، وقيل‏:‏ «يد اللَّه»‏:‏ في المِنَّةِ عليهم «فوق أيديهم»‏:‏ في الطاعة عند المبايعة، وهذا حَسَنٌ قريب من الأول‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَن نَّكَثَ‏}‏ أي‏:‏ فَمَنْ نقض هذا العهد، فإنما يجني على نفسه ومَنْ أَوفى بما عاهد عليه اللَّهَ فسنؤتيه أجراً عظيماً، وهو الجنة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 17‏]‏

‏{‏سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ‏(‏11‏)‏ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ‏(‏12‏)‏ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا ‏(‏13‏)‏ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏14‏)‏ سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏15‏)‏ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏16‏)‏ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏17‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏سَيَقُولُ لَكَ المخلفون مِنَ الأعراب‏}‏ قال مجاهد وغيره‏:‏ هم جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ، ومَنْ كان حول المدينة من الأعراب؛ وذلك أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حين أراد المسيرَ إلى مَكَّة عام الحديبية مُعْتَمِراً، استنفر مَنْ حولَ المدينة من الأعراب وأَهلِ البوادي؛ ليخرجوا معه؛ حذراً من قريش، وأحرم بالعمرة، وساق معه الهَدْيَ؛ ليعلمَ الناس أنه لا يريد حرباً، فتثاقل عنه هؤلاء المُخَلَّفُونَ، ورأوا أَنَّهُ ‏[‏يستقبل‏]‏ عدوّاً عظيماً من قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورة لمكة، وهم الأحابيش، ولم يكن تَمَكَّنَ إيمانُ هؤلاءِ المُخَلَّفِينَ، فقعدوا عن النبي صلى الله عليه وسلم وتخلَّفُوا وقالوا‏:‏ لَنْ يرجع محمد ولا أصحابه من هذه السفرة، ففضحهم اللَّه في هذه الآية، وأَعْلَمَ نَبِيَّه محمداً صلى الله عليه وسلم بقولهم، واعتذارهم قبلَ أَنْ يَصِلَ إليهم، فكان كما أخبر اللَّه سبحانه، فقالوا‏:‏ «شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا عَنْكَ فَاسْتَغْفِرْ لَنَا» وهذا منهم خُبْثٌ وإبطال، لأَنَّهم قالوا ذلك مُصَانَعَةً من غير توبة ولا ندم؛ فلذلك قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ‏}‏ ثم قال تعالى لنبيِّه عليه السلام‏:‏ ‏{‏قُلْ‏}‏‏:‏ لَهُمْ ‏{‏فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً‏}‏ أي‏:‏ مَنْ يحمي منه أموالكم وأهليكم إنْ أراد بكم فيها سوءاً، وفي مصحف ابن مسعود‏:‏ إنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً ثم رَدَّ عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏بَلْ كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً‏}‏ ثم فَسَّرَ لهم العِلَّةَ التي تخلَّفُوا من أجلها بقوله‏:‏ ‏{‏بَلْ ظَنَنْتُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، و‏{‏بُوراً‏}‏ معناه‏:‏ هلكى فاسدين، والبوار الهلاك، والبور في لغة «أَزْد عمان»‏:‏ الفاسد، ثم رجى سبحانه بقوله‏:‏ ‏{‏وَللَّهِ مُلْكُ السموات والأرض يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً‏}‏ ثم إنَّ اللَّه سبحانه أَمَرَ نَبِيَّه ‏[‏على‏]‏ ما رُوِيَ ‏[‏بغزو‏]‏ خيبرَ، ووعده بفتحها، وأعلمه أَنَّ المُخَلَّفِينَ إذا رأوا مسيرَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى يهود، وهم عَدُوٌّ مُسْتَضْعَفٌ طلبوا الكونَ معه؛ رغبةً في عَرَضِ الدنيا والغنيمة، فكان كذلك‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ الله‏}‏ معناه‏:‏ أنْ يغيروا وعده لأهلِ الحُدَيْبِيَّةِ بغنيمة خيبرَ، وقال ابن زيد‏:‏ كلام اللَّه هو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً‏}‏‏.‏ قال * ع *‏:‏ وهذا ضعيف؛ لأَنَّ هذه الآية نزلت في غزوة تبوك في آخر عمره صلى الله عليه وسلم وآية هذه السورة نزلت عامَ الحديبية، وأيضاً فقد غَزَتْ جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ بعد هذه المُدَّةِ مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يعني غزوة الفتح، فتح مَكَّة‏.‏

* ت *‏:‏ قال الثعلبي‏:‏ وعلى التأويل الأَوَّل عامَّةُ أهل التأويل، وهو أصوب من تأويل ابن زيد‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كَذَلِكُمْ قَالَ الله مِن قَبْلُ‏}‏ يريد وعده قبل باختصاصهم بها، وباقي الآية بين‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ‏}‏ قال قتادة وغيره‏:‏ هم هوازن وَمَنْ حارب النبيَّ عليه السلام يومَ حُنَيْنٍ، وقال الزُّهْرِيُّ وغيره‏:‏ هم أهل الرِّدَّةِ وبنو حنيفة باليمامة، وحكى الثعلبيُّ عن رافع بن خديج أَنَّهُ قال‏:‏ واللَّهِ لقد كُنَّا نقرأ هذه الآية فيما مضى، ولا نعلم مَنْ هم حَتَّى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أَنَّهُمْ هم المراد، وقيل‏:‏ هم فارس والروم، وقرأ الجمهور‏:‏ «أَوْ يُسْلِمُونَ» على القطع أي‏:‏ أو هم يسلمون دونَ حرب، قال ابن العربي‏:‏ والذين تَعَيَّنَ قتالُهم حتى يسلموا مِنْ غير قبول جزية، هم العرب في أَصَحِّ الأقوال، أوِ المرتدون، فأَمَّا فارس والروم فلا يُقَاتَلونَ إلى أَنْ يسلموا؛ بل إنْ بذلوا الجزية قُبِلَتْ منهم، وهذه الآية إخبار بمغيب؛ فهي من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، انتهى من «الأحكام»‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِن تُطِيعُواْ‏}‏ أي‏:‏ فيما تُدعون إليه، وباقي الآية بَيِّنٌ‏.‏

ثم ذكر تعالى أهل الأعذار، ورَفَعَ الحرج عنهم، وهو حكم ثابت لهم إلى يوم القيامة، ومع ارتفاع الحَرَج فجائز لهم الغزوُ، وأجرهم فيه مُضَاعَفٌ، وقد غزا ابن أُمِّ مكتوم ‏[‏وكان يُمْسِكُ الرَايةَ في بعض حروب القادسية، وقد خَرَّجَ النسائِيُّ هذا المعنى، وذكر ابنَ أمِّ مكتوم‏]‏ رحمه اللَّه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 20‏]‏

‏{‏لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ‏(‏18‏)‏ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ‏(‏19‏)‏ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ‏(‏20‏)‏‏}‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، تشريف لهم رضي اللَّه عنهم وقد تَقَدَّمَ القولُ في المبالغة ومعناها، وكان سببَ هذه المبايعة أَنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أراد أَنْ يبعث إلى مَكَّةَ رجلاً يُبَيِّنُ لهم أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد حرباً؛ وإنَّما جاء مُعْتَمِراً، فبعث إليهم خداشِ بن أُمَيَّةَ الخُزَاعِيَّ، وحمله صلى الله عليه وسلم على جَمَلٍ له يقال له‏:‏ الثعلب، فلما كَلَّمَهُمْ عَقَرُوا الجمل، وأرادوا قتل خداش فمنعته الأحابيش، وبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأراد بَعْثَ عمر بن الخطاب، فقال له عمر‏:‏ يا رسول اللَّه، إنِّي أخاف قريشاً على نفسي، وليس بِمَكَّةَ من بني عَدِيٍّ أَحَدٌ يحميني، ولكنِ ابعث عثمان؛ فهو أَعُزُّ بِمَكَّةَ مِنِّي، فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم فذهب، فلقيه أبان بن سعيد بن العاصي فنزل عن دَابَّتِهِ فحمله عليها، وأجاره حتى بلغ الرسالة، فقالوا له‏:‏ إنْ شِئْتَ يا عثمانَ أَنْ تطوف بالبيت فَطُفْ به، فقال‏:‏ ما كنت لأطوفَ حتى يطوفَ به النبي صلى الله عليه وسلم ثم إنَّ بَنِي سعيد بن العاصي حَبَسُوا عثمانَ على جهة المبرة، فأبطأ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وكانتِ الحُدَيْبِيَّةُ من مَكَّةَ على نحو عَشَرَةِ أميال، فصرخ صارخ من عسكر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ قُتِلَ عثمانُ، فجثا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، وقالوا‏:‏ لا نبرحُ إنْ كان هذا حتى نُنَاجِزَ القوم، ثم دعا الناسَ إلى البيعة فبايعوه صلى الله عليه وسلم ولم يَتَخَلَّفْ عنها إلاَّ الجد بن قيس المنافق، وجعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَدَهُ على يَدِهِ، وقال‏:‏ هذه يَدٌ لعثمانَ، وهي خير، ثم جاءَ عثمانُ سالماً والشجرة سمرة كانت هنالك ذهبت بعد سنين‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ‏}‏ قال الطبريُّ، ومنذر بن سعيد‏:‏ معناه‏:‏ من الإيمان وصِحَّتِهِ، والحبِّ في الدين والحِرْصِ فيه، وقرأ الناس‏:‏ «وَأَثَابَهُمْ» قال هارون‏:‏ وقد قرأت‏:‏ «وَآتَاهُمْ» بالتاء بنقطتين، والفتح القريب‏:‏ خيبر، والمغانم الكثيرة‏:‏ فتح خيبرَ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَعَدَكُمُ الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، مخاطبة للمؤمنين، ووعد بجميع المغانم التي أخذها المسلمون ويأخذونها إلى يوم القيامة؛ قاله مجاهد وغيره‏.‏

وقولهُ‏:‏ ‏{‏فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه‏}‏ يريد خيبَر، وقال زيد بن أسلم وابنه‏:‏ المغانم الكثيرة‏:‏ خيبر، وهذه إشارة إلى البيعة والتَّخَلُّصِ من أمر قريش، وقاله ابن عباس‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَكَفَّ أَيْدِىَ الناس عَنْكُمْ‏}‏ قال قتادة‏:‏ يريد كَفَّ أَيديهم عن أهل المدينة في مغيب النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ‏{‏وَلِتَكُونَ ءَايَةً‏}‏ أي‏:‏ علامة على نصر المؤمنين، وحكى الثعلبيُّ عن قتادة أَنَّ المعنى‏:‏ كَفَّ اللَّه غطفان ومَنْ معها حين جاءوا لنصر خيبَر، وقيل‏:‏ أراد كَفَّ قريشاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 26‏]‏

‏{‏وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ‏(‏21‏)‏ وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ‏(‏22‏)‏ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ‏(‏23‏)‏ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ‏(‏24‏)‏ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏25‏)‏ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ‏(‏26‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وأخرى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ الإشارة إلى بلاد فارس والروم، وقال قتادة والحسن‏:‏ الإشارة إلى مَكَّةَ، وهذا قول يَتَّسِقُ معه المعنى ويتأيَّد‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا‏}‏ معناه‏:‏ بالقُدْرَةِ وَالْقَهْرِ لأهلها، أي‏:‏ قد سبق في علمه ذلك، وظهر فيها أَنَّهم لم يقدروا عليها‏.‏

* ت *‏:‏ قوله‏:‏ وظهر فيها إِلى آخرهِ كلامٌ غير محصل، ولفظ الثعلبيِّ‏:‏ ‏{‏وأخرى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا‏}‏ أي‏:‏ وعدكم فتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها، قد أحاط اللَّه بها لكم حَتَّى يفتحها عليكم، وقال ابن عباس‏:‏ علم اللَّه أَنَّه يفتحها لكم، قال مجاهد‏:‏ هو ما فتحوه حتى اليوم، ثم ذكر بَقِيَّةَ الأقوال، انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَوْ قاتلكم الذين كفَرُواْ‏}‏ يعني‏:‏ كفار قريش في تلك السنة ‏{‏لَوَلَّوُاْ الأدبار ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيِّاً وَلاَ نَصِيراً‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ سنة اللَّه أي‏:‏ كَسُنَّةِ اللَّه، إشارةً إلى وقعة بدر، وقيل‏:‏ إشارة إلى عادة اللَّه من نصر الأنبياء، ونصب «سنة» على المصدر‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الذى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، رُوِيَ في سببها أَنَّ قريشاً جمعت جماعة من فتيانها، وجعلوهم مع عِكْرِمَةَ بن أبي جهل، وخرجوا يطلبون غرَّةً في عسكر النبيِّ صلى الله عليه وسلم واختلف الناسُ في عدد هؤلاء اختلافاً متفاوتاً؛ فلذلك اختصرته، فلمَّا أَحَسَّ بهم المسلمون بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في أَثَرِهِمْ خالدَ بنَ الوليد، وسَمَّاهُ يومئذٍ سَيْفَ اللَّه في جملة من الناس، فَفَرُّوا أمامهم، حَتَّى أدخلوهم بُيُوتَ مَكَّةَ، وأَسَرُوا منهم جملة، فَسِيقُوا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فَمَنَّ عليهم وأطلقهم؛ قال الوَاحِدِيُّ‏:‏ وكان ذلك سَبَبَ الصلح بينهم، انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏هُمُ الذين كَفَرُواْ‏}‏ يعني‏:‏ أهل مكة ‏{‏وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام‏}‏ أي‏:‏ منعوكم من العمرة، وذلك أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة إلى الحديبية في ذي القعدة سنة ست يريد العمرة وتعظيم البيت وخرج معه بمائة بدنة وقيل بسبعين فأجمعت قريش لحربه وغوروا المياه التي تقرب من مكة فجاء صلى الله عليه وسلم حتى نزل على بئر الحديبية وحينئذ وضع سهمه في الماء فجرى غمراً حتى كفى الجيش ثم بعث صلى الله عليه وسلم إليهم عثمان كما تقدم وبعثوا هم رجالاً آخرهم سهيل بن عمرو وبه انعقد الصلح على أن ينصرف صلى الله عليه وسلم ويعتمر من قابل فهذا صدهم إياه وهو مستوعب في السير، ‏{‏والهدي‏}‏ معطوف على الضمير في «صدوكم» ‏[‏أي‏]‏ وصدوا الهدي، «ومعكوفاً» حال، ومعناه‏:‏ محبوساً، تقول عكفت الرجل عن حاجته إذا حبسته، وحبس الهدي من قبل المشركين هو بصدهم، ومن قبل المسلمين لرؤيتهم ونَظَرِهِمْ في أَمرهم؛ لأجل أَنْ يبلغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، وهو مَكَّةُ والبَيْتُ، وهذا هو حَبْسُ المسلمين، وذكر تعالى العِلَّةَ في أَنْ صَرَفَ المسلمين، ولم يمكنهم من دخول مَكَّةَ في تلك الوجهة، وهي أَنَّهُ كان بمكة مؤمنون من رجال ونساء خَفِيَ إيمانهم، فَلَوِ استباح المسلمون بيضتها أهلكوا أولئك المؤمنين؛ قال قتادة‏:‏ فدفع اللَّه عن المشركين بأولئك المؤمنون، والوَطْءُ هنا‏:‏ الإهلاك بالسيف وغيره؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم

‏"‏ اللّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرٍ ‏"‏ قال أبو حيَّان‏:‏ ‏{‏وَلَوْلاَ رِجَالٌ‏}‏ جوابها محذوف؛ لدلالة الكلام عليه، أي‏:‏ ما كَفَّ أيديَكم عنهم، انتهى، والمَعَرَّةُ‏:‏ السوء والمكروه اللاحق؛ مأخوذ من العُرِّ والعُرَّة وهو الجَرَبُ الصَّعْبُ اللاَّزِمُ، واختلف في تعيين هذه المَعَرَّةِ، فقال الطبريُّ‏:‏ وَحَكَاهُ الثعلبيُّ‏:‏ هي الكَفَّارة، وقال مُنْذِرٌ‏:‏ المَعَرَّة‏:‏ أنْ يعيبهم الكُفَّار، ويقولوا‏:‏ قتلوا أهل دينهم، وقال بعضُ المفسِّرين‏:‏ هي المَلاَمُ، والقولُ في ذلك، وتألمَ النفْسِ في باقي الزمان، وهذه أقوالٌ حِسَانٌ، وجواب «لولا» محذوفٌ، تقديره‏:‏ لولا هؤلاءِ لدخلتم مكَّةَ، لكن شرَّفْنَا هؤلاءِ المؤمنِينَ بأنْ رَحِمْنَاهُمْ، ودفعنا بسببهم عن مَكَّةَ ليدخل اللَّه، أي‏:‏ لِيُبَيِّنَ للناظر أنَّ اللَّه يدخُلَ من يشاء في رحمته أو، أي‏:‏ لِيقعَ دخولهم في رحمة اللَّه ودفعه عنهم‏.‏

* ت *‏:‏ وقال الثَّعْلَبِيُّ‏:‏ قوله‏:‏ «بِغَيْرِ عِلْمٍ» يحتمل أنْ يريد بغير علم مِمَّنْ تكلَّم بهذا، والمَعَرَّةُ‏:‏ المشقة «لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ» أي‏:‏ في دين الإِسلام «مَنْ يَشَاءُ»‏:‏ من أهل مكة قبل أن تدخلوها، انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَوْ تَزَيَّلُواْ‏}‏ أي‏:‏ لو ذهبوا عن مَكَّةَ؛ تقول‏:‏ زِلْتُ زيداً عن موضعه إزالة، أي‏:‏ أذهبته، وليس هذا الفعل من «زَالَ يَزُولُ»، وقد قيل‏:‏ هو منه، وقرأ أبو حياةَ وقتادة‏:‏ «تَزَايَلُوا» بألف، أي‏:‏ ذهب هؤلاء عن هؤلاء، وقال النَّحَّاس‏:‏ وقد قيل‏:‏ إنَّ قوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ يريدُ‏:‏ مَنْ في أصلاب الكافرين مِمَّنْ سيُؤْمِنُ في غابر الدهر، وحكاه الثعلبيُّ والنَّقَّاش عن عليِّ بْنِ أبي طالب رضي اللَّه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً، والحَمِيَّةُ التي جعلوها هي حَمِيَّةُ أَهل مكة في الصَّدِّ؛ قال الزُّهْرِيُّ‏:‏ وهي حمية سُهَيْلٍ ومَنْ شَاهَدَ مِنْهُمْ عقدَ الصُّلْحِ، وجعلها سبحانه حَمِيَّةً جاهلية، لأَنَّها كانت منهم بغير حُجَّةٍ، إذ لم يأت صلى الله عليه وسلم مُحِارِباً لهم، وإنما جاء معتمراً معظِّماً لبيت اللَّه، والسكينة‏:‏ هي الطَّمْأَنِينَةُ إلى أَمْرِ رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، والثقةُ بوعد اللَّه، والطاعةُ، وزوالُ الأَنَفَةِ التي لحقت عُمَرَ وغيره، «وكَلِمَةُ التَّقْوَى»‏:‏ قال الجمهور‏:‏ هي لا إله إلا اللَّه، ورُوِيَ ذلك عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم وفي مصحف ابن مسعود‏:‏ ‏"‏ وَكَانُوا أَهْلَهَا ‏[‏وَأَحَقَّ بِهَا ‏"‏ والمعنى‏:‏ كانوا أهلها‏]‏ على الإطلاق في علم اللَّه وسابق قضائه لهم، وروى أبو أمامة عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ‏:‏

‏"‏ إذَا نَادَى المُنَادِي فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، واسْتُجِيبَ الدُّعَاءُ، فَمَنْ نَزَلَ بِهِ كَرْبٌ أَوْ شِدَّةٌ فَلْيَتَحَيَّنِ المُنَادِيَ، فَإذَا كَبَّرَ كَبَّرَ، وَإذَا تَشَهَّدَ تَشَهَّدَ، وَإذَا قَالَ‏:‏ حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، قَالَ‏:‏ حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، وَإذَا قَالَ‏:‏ حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ‏:‏ حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ، ثُمَّ يَقُولُ‏:‏ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الصادِقَةِ المُسْتَجَابِ لَهَا، دَعُوَةِ الحَقِّ وَكَلِمَةِ التقوى، أَحْيِنَا عَلَيْهَا، وَأَمِتْنَا عَلَيْهَا، وَابْعَثْنَا عَلَيْهَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ خِيَارِ أَهْلِهَا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتَاً، ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ حَاجَتَهُ ‏"‏ رواه الحاكم في «المُسْتَدْرَكِ»، وقال‏:‏ صحيح الإسناد، انتهى من «السِّلاَح»‏.‏

فقد بَيَّنَ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث معنى «كلمة التقوى» على نحو ما فسرَ به الجمهور، والصحيحِ أنه يعوض عن الحَيْعَلَةِ الحَوْقَلَةُ؛ ففي صحيح مسلم‏:‏ ‏"‏ ثُمَّ قَالَ‏:‏ حَيَّ عَلَى الصَلاَةِ، قَالَ‏:‏ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ‏:‏ حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ‏:‏ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ ‏"‏ الحديث، انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً‏}‏ إشارة إلى علمه بالمؤمنين الذين دفع عن كفار قريش بسببهم، وإلى علمه بوجه المصلحة في صلح الحديبية؛ فيُرْوَى أَنَّهُ لما انعقد الصلحُ أَمِنَ الناسُ في تلك المُدَّةِ الحربَ والفتنةَ، وامتزجوا وعَلَتْ دعوةُ الإسلام، وانقاد إلى الإسلام كُلُّ مَنْ له فهم، وزاد عدد الإسلام في تلك المدة أَضعافَ ما كان قبلَ ذلك؛ قال * ع *‏:‏ ويقتضى ذلك أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، كان في عام الحديبيةِ في أَرْبَعَ عَشْرَةَ مائة، ثم سار إلى مَكَّةَ بعد ذلك بعامين في عَشَرَةِ آلاف فارس صلى الله عليه وسلم‏.‏

* ت *‏:‏ المعروف عَشَرَةُ آلاف، وقوله فارس ما أَظُنُّهُ يَصِحُّ فتأمله في كتب السيرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 28‏]‏

‏{‏لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ‏(‏27‏)‏ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ‏(‏28‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا بالحق‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ «رُوِيَ في تفسيرها أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في مَنَامِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَى الْعُمْرَةِ أَنَّهُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، بَعْضُهُمْ مُحَلِّقُونَ، وَبَعْضُهُمْ مُقَصِّرُونَ» وقال مجاهد‏:‏ رأى ذلك بالحديبية فأخبر الناسَ بهذه الرؤيا، فَوَثِقَ الجميعُ بأَنَّ ذلك يكون في وجهتهم تلك، وقد كان سَبَقَ في علم اللَّه أنَّ ذلك يكون، لكن ليس في تلك الوجهة، فَلَمَّا صَدَّهُمْ أهلُ مَكَّةَ قال المنافقون‏:‏ وأين الرؤيا‏؟‏ ووقع في نفوس بعض المسلمين شيء من ذلك، فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بأَنْ قَالَ‏:‏ «وَهَلْ قُلْتُ لَكُمْ‏:‏ يَكُونُ ذَلِكَ فِي عَامِنَا هَذَا»، أَوْ كَمَا قَالَ، ونطق أبو بكر قبل ذلك بنحوه، ثم أنزل اللَّه عز وجل‏:‏ ‏{‏لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا بالحق‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، واللام في‏:‏ ‏{‏لَتَدْخُلُنَّ‏}‏ لامُ القَسَمِ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِن شَاءَ الله‏}‏ اخْتُلِفَ في هذا الاستثناء، فقال بعض العلماء‏:‏ إنَّما استثنى من حيثُ إنَّ كل واحد من الناس متى رَدَّ هذا الوعد إلى نفسه، أمكن أَنْ يتمّ الوعد فيه وأَلاَّ يتمّ؛ إذ قد يموت الإنسان أو يمرض لحينه، فلِذلك استثنى عز وجل في الجملة؛ إذ فيهم ولا بُدَّ مَنْ يموتُ أو يمرض‏.‏

* ت *‏:‏ وقد وقع ذلك حسبما ذكر في السِّيَرِ، وقال آخرون‏:‏ هو أخذ من اللَّه تعالى ‏[‏على عباده‏]‏ بأدبه في استعمال الاستثناء في كل فعل‏.‏

* ت *‏:‏ قال ثعلب‏:‏ استثنى اللَّه تعالى فيما يعلم؛ ليستثنيَ الخَلْقُ فيما لا يعلمون، وقيل غير هذا، ولما نزلت هذه الآية عَلِمَ المسلمون أَنَّ تلك الرؤيا ستخرج فيما يستأنفونه من الزمان، فكان كذلك، فخرج صلى الله عليه وسلم في العام المُقْبِلِ واعتمر‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ‏}‏ يريد ما قَدَّرَهُ من ظهور الإسلام في تلك المدة ودخول الناس فيه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏مِن دُونِ ذَلِكَ‏}‏ أي‏:‏ من قبل ذلك، وفيما يدنو إليكم، واختلف في الفتح القريب، فقال كثير من العلماء‏:‏ هو بيعة الرضوان وصُلْحُ الحديبية، وقال ابن زيد‏:‏ هو فتح خيبر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏29‏]‏

‏{‏مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏29‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله‏}‏ قال جمهور الناس‏:‏ هو ابتداء وخبر، استوفى فيه تعظيمَ منزلة النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏والذين مَعَهُ‏}‏ ابتداء، وخبره‏:‏ ‏{‏أَشِدَّاءُ‏}‏ و‏{‏رُحَمَاءُ‏}‏ خبر ثانٍ، وهذا هو الراجح؛ لأَنَّهُ خبر مضاد لقول الكفار‏:‏ «لا تكتب مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»، ‏{‏والذين مَعَهُ‏}‏ إشارة إلى جميع الصحابة عند الجمهور، وحكى الثعلبيُّ عن ابن عباس أَنَّ الإشارة إلى مَنْ شَهِدَ الحديبية‏.‏

* ت *‏:‏ ووصف تعالى الصحابة بأَنَّهُمْ رحماء بينهم، وقد جاءت أحاديثُ صحيحةٌ في تراحم المؤمنين؛ حدثنا الشيخ وليُّ الدين العراقيُّ بسنده عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاصي أَنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرحمن؛ ارْحَمُوا مَنْ في الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ‏"‏ وأخرج الترمذيُّ من طريق أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال‏:‏ ‏"‏ لاَ تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إلاَّ مِنْ ‏[‏قَلْبٍ‏]‏ شَقِيٍّ ‏"‏ وخَرَّجَ عن جرير بن عبد اللَّه قال‏:‏ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ مَنْ لاَ يَرْحَمِ النَّاسَ، لاَ يَرْحَمْهُ اللَّهُ ‏"‏ قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديث حسن صحيح، وهذا الحديث خَرَّجه مسلم عن جرير، وخَرَّجَ مسلم أيضاً من طريق أبي هريرةَ‏:‏ ‏"‏ مَنْ لاَ يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ ‏"‏ انتهى، وبالجملة‏:‏ فأسباب الألفة والتراحم بين المؤمنين كثيرةٌ، ولو بأَنْ تَلْقَى أخاك بوجه طَلْقٍ، وكذلك بَذْلُ السلام وَطيِّبُ الكلام، فالمُوَفَّقُ لا يحتقر من المعروف شيئاً، وقد روى الترمذي الحكيم في كتاب «ختم الأولياء» له بسنده عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه قال‏:‏ سمعتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ كَان أَحَبَّهُمَا إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَحْسَنُهُمَا بِشْراً بِصَاحِبِهِ ‏"‏ أوْ قَالَ‏:‏ ‏"‏ أَكْثَرُهُمَا ‏[‏بِشْراً‏]‏ بِصَاحِبِهِ، فَإذَا تَصَافَحَا، أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، تِسْعُونَ مِنْهَا لِلَّذِي بَدَأَ، وَعَشَرَةٌ لِلَّذِي صُوفِحَ ‏"‏ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً‏}‏ أي‏:‏ ترى هاتين الحالتين كثيراً فيهم و‏{‏يَبْتَغُونَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ يطلبون‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏سيماهم فِى وُجُوهِهِمْ‏}‏ قال مالك بن أنس‏:‏ كانت جِبَاهُهُم مَتْرِبَةً من كثرة السجود في التراب؛ وقاله عِكْرِمَةُ، ونحوه لأبي العالية، وقال ابن عباس وخالد الحنفي وعطية‏:‏ هو وعد بحالهم يومَ القيامة من اللَّه تعالى، يجعل لهم نوراً من أَثر السجود، قال * ع *‏:‏ كما يجعل غُرَّةً من أثر الوضوء، حسبما هو في الحديث، ويؤيد هذا التأويلَ اتصالُ القولِ بقوله‏:‏ «فَضْلاً مِنَ اللَّهِ» وقال ابن عباس‏:‏ السَّمْتُ الحَسَنُ هو السيما، وهو خشوع يبدو على الوجه، قال * ع *‏:‏ وهذه حالةُ مُكْثِرِي الصلاةَ؛ لأَنَّها تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وقال الحسن بن أبي الحسن، وشِمْرُ بن عَطِيَّةَ‏:‏ «السيما»‏:‏ بَيَاضٌ وصُفْرَةٌ وتَبْهِيجٌ يعتري الوجوهَ من السَّهَرِ، وقال عطاء بن أبي رباح، والربيع بن أنس‏:‏ «السِّيمَا»‏:‏ حُسْنٌ يعتري وُجُوهَ المُصَلِّينَ، قال * ع *‏:‏ ومن هذا الحديثُ الذي في «الشِّهاب»‏:‏

‏"‏ مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ ‏"‏ قال * ع *‏:‏ وهذا حديث غَلِطَ فيه ثابت بن موسى الزاهد، سَمِعَ شَرِيكَ بنَ عبد اللَّه يقول‏:‏ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عن أبي سفيانِ، عن جابر، ثم نزع شريك لما رأى ثابتاً الزاهد فقال يعنيه‏:‏ مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ بِاللَّيْلِ، حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ، فَظَنَّ ثابت أَنَّ هذا الكلام حديث متركِّب على السند المذكور، فَحَدَّثَ به عن شريك‏.‏

* ت *‏:‏ واعلم أَنَّ اللَّه سبحانه جعل حُسْنَ الثناء علامةً على حسن عُقْبَى الدار، والكون في الجنة مع الأبرار، جاء بذلك صحيح الآثار عن النبي المختار؛ ففي «صحيح البخاريِّ» «ومسلم» عن أنس قالَ‏:‏ ‏"‏ مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْراً، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ وَجَبَتْ، ثُمَّ مَرُّوا بأخرى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ‏:‏ وَجَبَتْ، فَقَالَ عُمَرُ‏:‏ مَا وَجَبَتْ‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ هَذا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْراً فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ في الأَرْضِ ‏"‏، انتهى، ونقل صاحب «الكوكب الدُّرِّيِّ» من مسند البَزَّارِ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال‏:‏ ‏"‏ يُوشِكُ أَنْ تَعْرِفُوا أَهْلَ الجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَقَالُوا‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِمَ‏؟‏ قَالَ‏:‏ بالثَّنَاءِ الحَسَنِ وَالثَّنَاءِ السَّيِّئ ‏"‏، انتهى، ونقله صاحب كتاب «التشوُّف إلى رجال التصوُّف» وهو الشيخ الصالح أبو يعقوب يوسف بن يحيى التالي، عن ابن أبي شيبةَ، ولفظه‏:‏ وخَرَّجَ أبو بكر بن أبي شيبةَ أَنَّهُ قال صلى الله عليه وسلم في خُطْبَتِهِ‏:‏ ‏"‏ تُوشِكُوا أَنْ تَعْرِفُوا أَهْلَ الجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ قَالَ‏:‏ خِيَارَكُمْ مِنْ شِرَارِكُمْ، قَالُوا‏:‏ بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ بِالثَّنَاءِ الحَسَنِ، وَبِالثَّنَاءِ السَّيِّئ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ ‏"‏ ومن كتاب «التشوُّف» قال‏:‏ وخَرَّجَ البزَّارُ عن أنس قال‏:‏ ‏"‏ قيل‏:‏ يا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَهْلُ الجَنَّةِ‏؟‏ قال‏:‏ مَنْ لاَ يَمُوتُ حتى تُمْلأَ مَسَامِعُهُ مِمَّا يُحِبُّهُ، قِيلَ‏:‏ فَمَنْ أَهْلُ النَّارِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ مَنْ لاَ يَمُوتُ حَتَّى تُمْلأَ مَسَامِعُهُ مِمَّا يَكْرَهُ ‏"‏ قال‏:‏ وخَرَّج البَزَّارُ عن أبي هريرةَ ‏"‏ أَنَّ رجلاً قال‏:‏ يا رَسُولَ اللَّهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ، قَالَ‏:‏ لاَ تَغْضَبْ، وَأَتَاهُ آخَرُ، فَقَالَ‏:‏ متى أَعْلَمُ أَنِّي مُحْسِنٌ‏؟‏ قَالَ‏:‏ إذَا قَالَ جِيرَانُكَ‏:‏ إنَّكَ مُحْسِنٌ، فَإنَّكَ مُحْسِنٌ، وَإذَا قَالُوا‏:‏ إنَّكَ مُسِيءٌ، فَإنَّكَ مُسِيءٌ ‏"‏ انتهى، ونقل القرطبي في «تذكرته» عن عبد اللَّه بن السائب قال‏:‏ مَرَّتْ جنازةٌ بابن مسعود فقال لرجُلٍ‏:‏ قُمْ فانظرْ أَمِنْ أهل الجنَّةِ هُوَ أَمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فقال الرجل‏:‏ ما يُدْرِينِي أمِنْ أهل الجنة هو أَمْ مِنْ أهل النار‏؟‏ قال‏:‏ انظر ما ثَنَاءُ الناسِ عليه، فأنتم شهداءُ اللَّه في الأرض، انتهى وباللَّه التوفيق، وإياه نستعين‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى التوراة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال مجاهد وجماعة من المتأولين‏:‏ المعنى‏:‏ ذلك الوصف هو مَثَلُهُمْ في التوراة ومثلهم في الإنجيل، وتم القول، و‏{‏كَزَرْعٍ‏}‏ ابتداءُ تمثيل، وقال الطبريُّ وحكاه عن الضَّحَّاك‏:‏ المعنى‏:‏ ذلك الوصف هو مثلهم في التوراة، وتَمَّ القولُ، ثم ابتدأ ‏{‏وَمَثَلُهُمْ فِى الإنجيل كَزَرْعٍ‏}‏‏.‏

* ت *‏:‏ وقيل غير هذا، وأبينها الأَوَّلُ، وما عداه يفتقر إلى سند يقطع الشكِ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَزَرْعٍ‏}‏ على كل قول هو مَثَلٌ للنبيِّ عليه السلام وأصحابِهِ في أَنَّ النبي عليه السلام بُعِثَ وَحْدَهُ فكان كالزرع حَبَّةً واحدة، ثم كَثُرَ المسلمون فهم كالشطء، وهو فراخ السُّنْبُلَةِ التي تنبت حول الأصل؛ يقال‏:‏ أشطأتِ الشجرةُ‏:‏ إذا أخرجت غُصُونَها، وأشطأ الزرع‏:‏ إذا أخرج شطأه، وحكى النقاش عن ابن عباس أَنَّهُ قال‏:‏ الزَّرْعُ‏:‏ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، ‏{‏فَازَرَهُ‏}‏‏:‏ عليُّ بن أبي طالب، ‏{‏فاستغلظ‏}‏ بأبي بكر، ‏{‏فاستوى على سُوقِهِ‏}‏ بعمر بن الخطاب‏.‏

* ت *‏:‏ وهذا لَيِّنُ الإسناد والمتن، كما ترى، واللَّه أعلم بِصِحَّتِهِ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَازَرَهُ‏}‏ له معنيان‏:‏

أحدهما‏:‏ ساواه طولاً‏.‏

والثَّاني‏:‏ أنَّ‏:‏ «آزره» و«وَازَرَهُ» بِمعنى‏:‏ أعانه وَقَوَّاهُ؛ مأخوذٌ من الأَزَرِ، وفَاعِلُ «آزر» يحتملُ أنْ يكون الشَّطْءَ، ويحتمل أَنْ يكون الزَّرْعَ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار‏}‏ ابتداء كلام قبله محذوف، تقديره‏:‏ جعلهم اللَّه بهذه الصفة؛ ليغيظ بهم الكفار، قال الحسن‏:‏ مِنْ غَيْظِ الكُفَّارِ قولُ عُمَرَ بِمَكَّةَ‏:‏ لاَ يُعْبَدُ اللَّهُ سِرّاً بَعْدَ الْيَوْمِ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِنْهُمْ‏}‏ هي لبيان الجنس، وليست للتبعيض؛ لأَنَّه وعد مرجٍ للجميع‏.‏

سورة الحجرات

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏1‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ‏(‏2‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ‏(‏3‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال ابن زيد‏:‏ معنى‏:‏ ‏{‏لاَ تُقَدِّمُواْ‏}‏ لا تمشوا، وقرأ ابن عباس، والضَّحَّاكُ، ويعقوب‏:‏ بفتح التاءِ والدال، على معنى‏:‏ لا تَتَقَدَّمُوا، وعلى هذا يجيء تأويل ابن زيد، والمعنى على ضم التاء‏:‏ بين يدي قولِ اللَّه ورسوله، ورُوِيَ أَنَّ سَبَبَ هذه الآية أَنَّ وفد بني تميم لما قَدِمَ، قال أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ- رضي اللَّه عَنْهُ-‏:‏ يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَمَرْتَ الْقَعْقَاعَ بنَ مَعْبَدٍ‏؟‏ وَقَالَ عُمَرُ‏:‏ لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلْ أَمِّرِ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ‏:‏ مَا أَرَدْتَ إلا خِلافي، فَقَالَ عُمَرُ‏:‏ مَا أَرَدْتُ خِلاَفَكَ، وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَنَزَلَتِ الآيةُ، وذهب بعض قَائِلِي هذه المَقَالَةِ إلى أَنَّ قوله‏:‏ ‏{‏لاَ تُقَدِّمُواْ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ وُلاَةً، فهو من تقديم الأمراء، وعموم اللفظ أحسن، أي‏:‏ اجعلوه مبدأ في الأَقوال والأَفعال، وعبارة البخاريِّ‏:‏ وقال مجاهد‏:‏ «لا تقدموا»‏:‏ لا تَفْتَاتُوا على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى يقضيَ اللَّه عز وجل على لسانه، انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لاَ تَرْفَعُواْ أصواتكم‏}‏ الآية، هي أيضاً في هذا الفنِّ المتقدِّم؛ فرُويَ أَنَّ سببها ما تقدم عن أبي بكر وعمر رضي اللَّه عنهما والصحيح أَنَّها نزلت بسبب عادة الأَعراب من الجَفَاءِ وعُلُوِّ الصَّوْتِ، وكان ثابت بن قيس بن شماس رضي اللَّه عنه مِمَّنْ في صوته جهارة فلما نزلت هذه الآية اهْتَمَّ وخاف على نفسه، وجلس في بيته لم يخرج، وهو كئيب حزين حتى عَرَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خبره فبعث إليه، فآنسه، وقال له‏:‏ ‏"‏ امْشِ في الأَرْضِ بَسْطاً؛ فإنَّكَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ ‏"‏، وَقَالَ لَهُ مَرَّةً‏:‏ ‏"‏ أَمَا ترضى أَنْ تَعِيشَ حَمِيداً، وَتَمُوتَ شَهِيداً‏؟‏ ‏"‏ فعاش كذلك، ثم قُتِلَ شَهِيداً بِاليَمَامَةِ يَوْمَ مُسَيْلَمَةَ‏.‏

* ت *‏:‏ وحديث ثابت بن قيس وتبشيره بالجنة خَرَّجَهُ البخاريُّ، وكذلك حديث أبي بكر وعمر وارتفاع أصواتهما خَرَّجه البخاريُّ أيضاً، انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ‏}‏ أي‏:‏ كحال أحدكم في جفائه، فلا تنادونه باسمه‏:‏ يا محمد، يا أحمد؛ قاله ابن عباس وغيره، فأمرهم اللَّه بتوقيره، وأنْ يدعوه بالنبوَّةِ والرسالة، والكلام اللَّيِّنِ، وكَرِهَ العلماءُ رفعَ الصوت عند قبرِ النبي صلى الله عليه وسلم وبحضرة العَالِمِ وفي المساجد، وفي هذه كلها آثار؛ قال ابن العربيِّ في «أحكامه»‏:‏ وحُرْمَةُ النبي صلى الله عليه وسلم مَيِّتاً كحرمته حَيًّا، وكلامه المأثور بعد موته في الرِّفْعَةِ مِثْلُ كلامه المسموع من لفظه، فإذا قُرئ كلامُه وجب على كل حاضر أَلاَّ يرفعَ صوتَهُ عليه، ولا يُعْرِضَ عنه، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تَلَفُّظِهِ بِه، وقد نَبَّهَ اللَّه تعالى على دوام الحُرْمَةِ المذكورة على مرور الأزمنة بقوله‏:‏

‏{‏وَإِذَا قُرِئ القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 204‏]‏ وكلام النبي صلى الله عليه وسلم هو من الوحي، وله من الحُرْمَةِ مِثْلُ ما للقرآن، انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَن تَحْبَطَ‏}‏ مفعول من أجله، أي‏:‏ مخافةَ أَنْ تحبطَ، ثم مدح سبحانه الذين يَغُضّون أصواتهم عند رسول اللَّه، وغَضُّ الصوت خَفْضُهُ وكَسْرُهُ، وكذلك البصر، ورُوِيَ‏:‏ أَنَّ أبا بكر وعمر كانا بعد ذلك لا يُكَلِّمان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلاَّ كَأَخِي السِّرَارِ، وأَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يحتاج مع عمر بعد ذلك إلى استعادة اللفظ؛ لأَنَّهُ كان لا يسمعه من إخفائه إيَّاه، و‏{‏امتحن‏}‏ معناه‏:‏ اختبر وطَهَّرَ كما يُمْتَحَنُ الذهبُ بالنار، فَيَسَّرَهَا وهَيَّأها للتقوى، وقال عمر بن الخطاب‏:‏ امتحنها للتقوى‏:‏ أذهب عنها الشهوات‏.‏

قال * ع *‏:‏ من غَلَبَ شهوتَه وغضبَه فذلك الذي امتحن اللَّه قلبه للتقوى، وبذلك تكونُ الاستقامة، وقال البخاريُّ‏:‏ ‏{‏امتحن‏}‏‏:‏ أخلص، انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 8‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏4‏)‏ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏5‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ‏(‏6‏)‏ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ‏(‏7‏)‏ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏8‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الحجرات أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ‏}‏ نزلت في وفد بني تميم وقولِهِمْ‏:‏ يا محمدُ، اخرج إلينا، يا محمد، اخرج إلينا، وفي مصحف ابن مسعود‏:‏ «أَكْثَرُهُمْ بَنُو تَمِيمٍ لاَ يَعْقِلُونَ» وباقي الآية بَيِّنٌ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ‏}‏ وقُرِئ «فَتَثَبَّتُوا» رُوِيَ في سبب الآية‏:‏ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنَ أبي مُعَيْطٍ إلَى بَنِي المُصْطَلِقِ مُصَدِّقاً، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُمْ خَرَجُوا إلَيْهِ، فَفَزِعَ مِنْهُمْ، وظَنَّ بِهِمْ شَرًّا، فَرَجَعَ، وقال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ قَدْ مَنَعُونِي الصَّدَقَةَ، وَطَرَدُونِي، وارتدوا، فَغَضِبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهَمَّ بِغَزْوِهِمْ، فَوَرَدَ وَفْدُهُمْ مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ»، ورُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَرُبَ مِنْهُمْ بَلَغَهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا‏:‏ لاَ نُعْطِيهِ الصَّدَقَةَ وَلا نُطِيعُهُ، فقال ما ذكرناه فنزلَتِ الآية، و‏{‏أَن تُصِيبُواْ‏}‏ معناه‏:‏ مخافة أنْ تصيبوا، قال قتادة‏:‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم عندما نزلت هذه الآية‏:‏ ‏"‏ التَّثَبُّتُ مِنَ اللَّهِ وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ ‏"‏‏.‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏واعلموا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ الله لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ الأمر لَعَنِتُّمْ‏}‏ توبيخ للكذبة، والعَنَتُ‏:‏ المشقة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أُوْلَئِكَ هُمُ الرشدون‏}‏ رجوع من الخطاب إلى الغيبة، كأنه قال‏:‏ ومنِ اتصف بما تقدم من المحاسن أولئك هم الراشدون‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَضْلاً مِّنَ الله وَنِعْمَةً‏}‏ أي‏:‏ كان هذا فضلاً من اللَّه ونعمةً، وكان قتادة رحمه اللَّه يقول‏:‏ قد قال اللَّه تعالى لأصحاب محمد عليه السلام‏:‏ ‏{‏واعلموا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ الله لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ الأمر لَعَنِتُّمْ‏}‏ وأنتم واللَّه أسخف رأياً، وأطيش أحلاماً، فَلْيَتَّهِمَ رَجُلٌ نفسَه، ولينتصح كتاب اللَّه تعالى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 10‏]‏

‏{‏وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ‏(‏9‏)‏ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ‏(‏10‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا‏}‏ سبب الآية في قول الجمهور هو ما وقع بين المسلمين المتحزبين في قضية عَبْد اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ حين مَرَّ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم راكباً على حماره مُتَوَجِّهاً إلى زيارة سعد بن عبادَةَ في مرضه، حسبما هو معلوم في الحديث الطويل، ومدافعة الفئة الباغية مُتَوَجِّهَةٌ في كل حال، ‏[‏وأَمَّا التَهَيُّؤُ‏]‏ لقتالهم فمع الولاة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ حَكَمَ اللَّهُ في الْفِئَةِ البَاغِيَةِ أَلاَّ يُجْهَزَ على جَرِيحِهَا، وَلا يُطْلَبَ هَارِبُهَا، وَلاَ يُقْتَلَ أَسِيرُهَا، وَلاَ يُقْسَمَ فَيْئُهَا ‏"‏ و‏{‏تَفِئ‏}‏ معناه‏:‏ ترجع، وقرأ الجمهور‏:‏ «بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ» وذلك؛ رعايةً لحال أَقَلِّ عدد يقع فيه القتال والتشاجر، وقرأ ابن عامر‏:‏ «بَيْنَ إخْوَتِكُمْ» وقرأ عاصم الجَحْدَرِيُّ‏:‏ «بَيْنَ إخْوَانِكُمْ» وهي قراءة حسنة؛ لأَنَّ الأكثر في جمع الأخ في الدِّينِ ونحوه من غير النسب‏:‏ «إخْوَان»، والأكثر في جمعه من النسب‏:‏ «إِخْوَة» و«آخَاء»، وقد تتداخل هذه الجموعُ، وكُلُّها في كتاب اللَّه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 12‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ‏(‏11‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ‏(‏12‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٌ‏}‏ الآية‏:‏ هذه الآية والتي بعدها نزلت في خُلُقِ أهل الجاهلية؛ وذلك أَنَّهم كانوا يجرون مع شهواتِ نفوسهم، لم يقومهم أمر من اللَّه ولا نهي، فكان الرجل يسخر، ويلمز، وينبز بالألقاب، ويَظُنُّ الظنونَ، ويتكلم بها، ويغتاب، ويفتخر بنسبه، إلى غير ذلك من أخلاق النفوس البطَّالة، فنزلت هذه الآية؛ تأديباً لهذه الأُمَّةِ، وروى البخاريُّ ومسلم والترمذيُّ واللفظ له عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لاَ يَخُونُهُ وَلاَ يَكْذِبُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ‏:‏ عِرْضُهُ، وَمَالُهُ، وَدَمُهُ، التَّقْوَى ههنا، بِحَسْبِ امرئ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْتَقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ‏"‏ انتهى، ويسخر معناه‏:‏ يستهزئ، وقد يكون ذلك المُسْتَهْزَأُ به خيراً من الساخر، والقوم في كلام العرب واقع على الذُّكْرَان، وهو من أسماء الجَمْع؛ ومن هذا قول زُهَيْر‏:‏ ‏[‏من الوافر‏]‏

وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إخَالُ أَدْرِي *** أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ

وهذه الآية أيضاً تقتضي اختصاص القوم بالذكران، وقد يكون مع الذكران نساء، فيقال لهم قوم؛ على تغليب حال الذكر، و‏{‏تَلْمِزُواْ‏}‏ معناه‏:‏ يطعن بعضُكم على بعض بذكر النقائص ونحوه، وقد يكون اللَّمْزُ بالقول وبالإشارة ونحوه مِمَّا يفهمه آخر، والهَمْزُ لا يكون إلاَّ باللسان، وحكى الثعلبيُّ أَنَّ اللمز ما كان في المشهد، والهَمْزَ ما كان في المغيب، وحكى الزهراويُّ عكس ذلك‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَنفُسَكُمْ‏}‏ معناه‏:‏ بعضكم بعضاً؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 66‏]‏ كأنَّ المؤمنين كنفس واحدة، إذ هم إخوة؛ كما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ إذَا اشتكى مِنْهُ عُضْوٌ تداعى سَائِرُهُ بِالسَّهَرِ والحمى ‏"‏، وهم كما قال أيضاً‏:‏ ‏"‏ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً ‏"‏، والتنابز‏:‏ التَّلَقُّبُ، والتَّنَبزُ واللقب واحدٌ، واللقب يعني المذكور في الآية هو‏:‏ ما يُعْرَفُ به الإنسان من الأسماء التي يَكْرَهُ سماعَهَا، وليس من هذا قول المُحَدِّثِينَ‏:‏ سليمان الأعمش، وواصل الأحدب ونحوه مِمَّا تدعو الضرورة إليه، وليس فيه قصد استخفاف وأذى، وقال ابن زيد‏:‏ معنى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَنَابَزُواْ بالألقاب‏}‏ أي‏:‏ لا يَقُلْ أحد لأحد‏:‏ يا يهوديُّ، بعد إسلامه، ولا‏:‏ يا فاسقُ، بعد توبته، ونحو هذا‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان‏}‏ يحتمل معنيين‏:‏

أحدهما‏:‏ بئس اسم تكتسبونه بعصيانكم ونبزكم بالألقاب فتكونون فُسَّاقاً بالمعصية بعد إيمانكم‏.‏

والثاني‏:‏ بئس قول الرجل لأخيه‏:‏ يا فاسق بعد إيمانه؛ وعن حذيفةَ رضي اللَّه عنه قال‏:‏ ‏"‏ شَكَوْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَرَبَ لِسَانِي، فَقَالَ‏:‏ «أَيْنَ أَنْتَ مِنَ الاِسْتِغْفَارِ‏؟‏‏!‏ إنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» ‏"‏ رواه النسائي واللفظ له، وابن ماجه، والحاكم في «المُسْتَدْرَكِ»، وقال‏:‏ صحيحٌ على شرط مسلم، وفي رواية للنسائي‏:‏

‏"‏ إنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ في الْيَوْمِ وَأَتُوبُ إلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ ‏"‏، والذَّرَبُ بفتح الذال والراء هو الفُحْشُ، انتهى من «السلاح»، ومنه عن ابن عمر‏:‏ «إنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في المَجْلِسِ الوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ‏:‏ رَبِّ اغفر لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمِ» رَوَاه أبو داود، وهذا لفظه، والترمذي والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في «صحيحه»، وقال الترمذيُّ‏:‏ حسن صحيح غريب، انتهى‏.‏

ثم أمر تعالى المؤمنين باجتناب كثير من الظن، وأَلاَّ يعملوا ولا يتكلموا بحسبه؛ لما في ذلك وفي التجسس من التقاطُع والتَّدَابُرِ، وحكم على بعضه أَنَّه إثم، إذ بعضُه ليس بإثم، والظَّنُّ المنهيُّ عنه هو أَنْ تَظُنَّ شرًّا برجل ظاهره الصلاح، بلِ الواجب أنْ تزيل الظن وحكمه، وتتأوَّلَ الخيرَ؛ قال * ع *‏:‏ وما زال أولو العزم يحترسون من سُوءِ الظنِ، ويجتنبون ذرائعه، قال النوويُّ‏:‏ واعلم أَنَّ سوء الظن حرام، مثل القول، فكما يَحْرُمُ أَنْ تحدِّثَ غيرَك بمساوئ إنسان يَحْرُمُ أَنْ تحدث نفسَك بذلك، وتسيءَ الظَّنَّ به؛ وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإنَّهُ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ‏"‏ والأحاديث بمعنى ما ذكرناه كثيرة، والمراد بذلك عَقْدُ القلب وحكمه على غيره بالسوء، فأَمَّا الخواطر وحديث النفس، إذا لم يستقر، ويستمر عليه صاحبه فَمَعْفُوٌّ عنه باتفاق العلماء؛ لأَنَّهُ لا اختيارَ له في وقوعه، ولا طريقَ له إلى الانفِكاك عنه، انتهى‏.‏

قال أبو عمر في «التمهيد»‏:‏ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال‏:‏ ‏"‏ حَرَّمَ اللَّهُ مِنَ المُؤْمِنِ دَمَهُ، وَمَالَهُ، وعِرْضَهُ، وأَلاَّ يُظَنَّ بِهِ إلاَّ الْخَيْرَ ‏"‏ انتهى، ونقل في موضع آخر بسنده‏:‏ أَنَّ عمر بن عبد العزيز كان إذا ذُكِرَ عنده رجل بفضل أو صلاح قال‏:‏ كيف هو إذا ذُكِرَ عنده إخوانه‏؟‏ فإنْ قالوا‏:‏ إنَّه يتنقَّصهم، وينالُ منهم، قال عمر‏:‏ ليس هو كما تقولون، وإنْ قالوا‏:‏ إنَّه يذكر منهم جميلاً وخيراً، ويُحْسِنُ الثَّنَاءَ عليهم، قال‏:‏ هو كما تقولون إن شاء اللَّه، انتهى من «التمهيد»، وروى أبو داودَ في «سننه» عن أبي هريرةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ ‏"‏ انتهى‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَجَسَّسُواْ‏}‏ أي‏:‏ لا تبحثوا عن مخبَّآت أمور الناس، وادفعوا بالتي هي أحسن، واجتزئوا بالظواهر الحسنة، وقرأ الحسن وغيره‏:‏ «وَلاَ تَحَسَّسُوا» بالحاء المهملة؛ قال بعض الناس‏:‏ التَجَسُّسُ بالجيم في الشَّرِّ، وبالحاء في الخير، قال * ع*‏:‏ وهكذا ورد القرآن، ولكن قد يتداخلان في الاستعمال‏.‏

* ت *‏:‏ وقد وردت أحاديث صحيحة في هذا الباب، لولا الإطالة لجلبناها‏.‏

‏{‏وَلاَ يَغْتَب‏}‏ معناه‏:‏ لا يذكرْ أحدُكم من أخيه شيئاً هو فيه، ويكره سماعَه، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏"‏ إذَا ذَكَرْتَ مَا في أَخِيكَ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإذَا ذَكَرْتَ مَا لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّه ‏"‏، وفي حديث آخر‏:‏ ‏"‏ الغِيبَةُ أَنْ تَذْكُرَ الْمُؤْمِنَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ‏:‏ وَإنْ كَان حَقًّا‏؟‏ قَالَ‏:‏ إذَا قُلْتَ بَاطِلاً فَذَلِكَ هُوَ الْبُهْتَانُ ‏"‏ وحكى الزهراوي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال‏:‏ ‏"‏ الغِيبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا، قِيلَ‏:‏ وَكَيْفَ‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ لأَنَّ الزَّانِيَ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَالَّذِي يَغْتَابُ لاَ يُتَابُ عَلَيْهِ حتى يَسْتَحِلَّ ‏"‏، قال * ع *‏:‏ وقد يموت من اغْتِيبَ، أو يأبى، وروى أبو داودَ في «سننه» عن أنس بن مالك قال‏:‏ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لَمَّا عُرِجَ بي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ، يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ‏:‏ مَنْ هؤلاء يَا جِبْرِيلُ‏؟‏‏!‏ قَالَ‏:‏ هؤلاء الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ في أَعْرَاضِهِمْ ‏"‏ انتهى‏.‏

والغِيبَةُ مشتقة من «غَابَ يَغِيبُ» وهي القول في الغائب، واسْتُعْمِلَتْ في المكروه، ولم يُبَحْ في هذا المعنى إلاَّ ما تدعو الضرورةُ إليه، من تجريح الشهود، وفي التعريف بمن استنصح في الخطاب ونحوهم‏:‏ لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لاَ مَالَ لَهُ ‏"‏ وما يقال في الفَسَقَةِ أيضاً، وفي وُلاَةِ الجَوْرِ، ويُقْصَدُ به‏:‏ التحذيرُ منهم؛ ومنه قوله عليه السلام‏:‏ ‏"‏ أَعَنِ الْفَاجِرِ تَرْعَوُنَ‏؟‏‏!‏ اذْكُرُوا الْفَاجِرَ بِمَا فِيهِ، مَتَى يَعْرِفُهُ النَّاسُ إذَا لَمْ تَذْكُرُوهُ‏؟‏‏!‏ ‏"‏‏.‏ * ت *‏:‏ وهذا الحديث خَرَّجه أيضاً أبو بكر ابن الخطيب بسنده عن بَهْزٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عنِ النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ أَتَرْعَوُنَ عَنْ ذِكْرِ الْفَاجِرِ، اذْكُرُوهُ بِمَا فِيهِ؛ يَحْذَرْهُ النَّاسُ ‏"‏ ولم يذكر في سنده مَطْعَناً، انتهى، ومنه قوله عليه السلام‏:‏ ‏"‏ بِئْسَ ابنُ الْعَشِيرَةِ ‏"‏‏.‏ ثُمَّ مَثَّلَ تعالى الغيبة بأكل لحم ابن آدم الميت، ووقف تعالى على جهة التوبيخ بقوله‏:‏ ‏{‏أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ‏}‏ أي‏:‏ فكذلك فاكرهوا الغِيبَةَ، قال أبو حيان‏:‏ ‏{‏فَكَرِهْتُمُوهُ‏}‏ قيل‏:‏ خبر بمعنى الأَمر، أي‏:‏ فاكرهوه، وقيل على بابه، فقال الفَرَّاءُ‏:‏ فقد كرهتموه، فلا تفعلوه، انتهى‏.‏

وقد روى البخاريُّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ‏:‏ ‏"‏ لاَ يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلاً بِالْفُسُوقِ، وَلاَ يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إلاَّ ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ ‏"‏ وفي رواية مسلم‏:‏ ‏"‏ مَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ، أوْ قَالَ‏:‏ عَدُوُّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلاَّ حَارَ عَلَيْهِ ‏"‏ وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أَيُّ رَجُلٍ قَالَ لأَخِيهِ‏:‏ كَافِرٌ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا ‏"‏ انتهى، وباقي الآية بَيِّنٌ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 14‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ‏(‏13‏)‏ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏14‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يأَيُّهَا الناس إِنَّا خلقناكم مِّن ذَكَرٍ وأنثى‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ المعنى‏:‏ يأيها الناس، أَنتم سواء من حيثُ أنتم مخلوقون، وإنَّما جعلتم قبائل؛ لأَنْ تتعارفوا، أوْ لأَنْ تعرفوا الحَقَائِقَ، وَأَمَّا الشرفُ والكرمُ فهو بتقوى اللَّه تعالى وسلامة القلوب، وقرأ ابن مسعود‏:‏ «لِتَعَارَفُوا بَيْنَكُمْ وَخَيْرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» وقرأ ابن عباس‏:‏ «لِتَعْرِفُوا أَنَّ» عَلَى وزن «تَفْعَلُوا» بكسر العين وبفتح الهمزة من «أَنَّ»، وَرُوِيَ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَكْرَمَ النَّاسِ، فَلْيَتَّقِ اللَّه ‏"‏ وأَمَّا الشعوب فهو جمع شَعْبٍ، وهو أعظم ما يوجد من جماعات الناس مرتبطاً بنسب واحد؛ كمُضَرٍ ورَبِيعَةَ وحِمْيَرَ، ويتلوه القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، والأسرة وهما قرابة الرجل الأَدْنَوْنَ، ثم نَبَّهَ سبحانه على الحذر بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله عَلَيمٌ خَبِيرٌ‏}‏ أي‏:‏ بالمتقي الذي يستحق رُتْبَةَ الكرم، وَخرَّج مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال‏:‏ ‏"‏ إنَّ اللَّهَ أوحى إلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا؛ حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ على أَحَدٍ وَلاَ يَبْغِي أَحَدٌ على أَحَدٍ ‏"‏ وروى أبو داودَ والتِّرْمِذِيُّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال‏:‏ ‏"‏ لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمْ، إنَّما هُمْ فَحْمٌ مِنْ جَهَنَّمَ أوْ لَيَكُونُنَّ عَلَى اللَّهِ أَهْوَنَ مِنَ الجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الخُرَاءَ بِأَنْفِهِ، إنَّ اللَّهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا؛ إنَّما هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، أوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ، كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ ‏"‏ انتهى، ونقله البغويُّ في «مصابيحه»‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالَتِ الأعراب ءَامَنَّا‏}‏ قال مجاهد‏:‏ نزلت في بني أسد، وهي قبيلة كانت تجاور المدينة، أظهروا الإسلام، وفي الباطن إنَّما يريدون المغانمَ وَعَرَضَ الدنيا، ثم أمر اللَّه تعالى نَبِيَّهُ أَنْ يقول لهؤلاء المُدَّعِينَ للإيمان‏:‏ ‏{‏لَّمْ تُؤْمِنُواْ‏}‏ أي‏:‏ لم تصدقوا بقلوبكم، ‏{‏ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا‏}‏ أي‏:‏ استسلمنا، والإسلام يقال بمعنيين‏:‏

أحدهما‏:‏ الذي يَعُمُّ الإيمانَ والأعمالَ، وهو الذي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 19‏]‏ والذي في قوله عليه السلام‏:‏ ‏"‏ بُنِيَ الإسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ ‏"‏‏.‏ والمعنى الثاني للفظ الإسلام‏:‏ هو الاستسلام، والإظهار الذي يُسْتَعْصَمُ به ويحقن الدم، وهذا هو الذي في الآية، ثم صَرَّحَ بأَنَّ الإيمان لم يدخل في قلوبهم، ثم فتح باب التوبة بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِن تُطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، وقرأ الجمهور‏:‏ «لاَ يَلِتْكُمْ» من «لاَتَ يَلِيتُ» إذا نقص؛ يقال‏:‏ لاَتَ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ منه، وقرأ أبو عمرو‏:‏ «لاَ يَأْلِتْكُمْ» من «أَلَتَ يَأْلِتُ» وهي بمعنى لاَتَ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 18‏]‏

‏{‏إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ‏(‏15‏)‏ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏16‏)‏ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏17‏)‏ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏18‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا المؤمنون‏}‏ إنما هنا حاصرة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ‏}‏ أي‏:‏ لم يشكوا، ثم أمر اللَّه تعالى نَبِيَّه عليه السلام بتوبيخهم بقوله‏:‏ ‏{‏أَتُعَلِّمُونَ الله بِدِينِكُمْ‏}‏ أي‏:‏ بقولكم آمنا، وهو يعلم منكم خلافَ ذلك؛ لأَنَّهُ العليم بكل شيء‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ‏}‏ نزلت في بني أسد أيضاً، وقرأ ابن مسعود‏:‏ «يَمنُّونَ عَلَيْكَ إسْلاَمَهُمْ» وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية‏:‏ «وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ»

سورة ق

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 14‏]‏

‏{‏ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ ‏(‏1‏)‏ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ‏(‏2‏)‏ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ‏(‏3‏)‏ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ‏(‏4‏)‏ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ‏(‏5‏)‏ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ‏(‏6‏)‏ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ‏(‏7‏)‏ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ‏(‏8‏)‏ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ‏(‏9‏)‏ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ‏(‏10‏)‏ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ‏(‏11‏)‏ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ‏(‏12‏)‏ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ ‏(‏13‏)‏ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ‏(‏14‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ق والقرءان المجيد‏}‏ قال مجاهد، والضَّحَّاك، وابن زيد، وعِكْرَمَةُ‏:‏ ق اسم الجبل المحيط بالدنيا، وهو فيما يزعمون أَنَّهُ من زمردة خضراء، منها خُضْرَةُ السماء وخضرة البحر، وقيل في تفسيره غير هذا، و‏{‏المجيد‏}‏‏:‏ الكريم في أوصافه الذي جمع كُلَّ مَعْلاَةٍ، و‏{‏ق‏}‏ مُقْسَمٌ به وبالقرآن؛ قال الزَّجَّاجُ‏:‏ وجواب القسم محذوف تقديره‏:‏ ق والقرآن المجيد لتبعثن، قال * ع *‏:‏ وهذا قول حسن، وأحسن منه أَنْ يكون الجواب هو الذي يقع عنه الإضراب ببل، كأَنَّه قال‏:‏ والقرآنِ المجيد ما رَدُّوا أمرك بحجة، ونحو هذا، مِمَّا لا بُدَّ لك من تقديره بعد الذي قَدَّره الزَّجَّاجُ، وباقي الآية بَيِّنٌ مِمَّا تقدم في «صا» و«يونس» وغيرهما، ثم أخبر تعالى؛ رَدًّا على قولهم بأَنَّهُ سبحانه يعلم ما تأكل الأرضُ من ابن آدم، وما تُبْقِي منه، وأَنَّ ذلك في كتاب، والحفيظ‏:‏ الجامع الذي لم يَفُتْهُ شيء؛ وفي الحديث الصحيح‏:‏ ‏"‏ إنَّ الأَرْضَ تَأَكُلُ ابْنَ آدَمَ إلاَّ عَجْبَ الذَّنَبِ ‏"‏ وهو عَظْمٌ كالخَرْدَلَةِ، فمِنْهُ يُرَكَّبُ ابن آدم، قال * ع *‏:‏ وحِفْظُ ما تنقص الأرض إنَّما هو ليعودَ بعينه يومَ القيامة، وهذا هو الحَقُّ؛ قال ابن عباس والجمهور‏:‏ المعنى‏:‏ ما تنقص من لحومهم وأبشارهم وعظامهم، وقال السُّدِّيُّ‏:‏ ‏{‏مَا تَنقُصُ الأرض‏}‏ أي‏:‏ ما يحصل في بطنها من موتاهم، وهذا قول حسن مضمنه الوعيد، والمريج‏:‏ معناه المخلط؛ قاله ابن زيد، أي‏:‏ بعضُهم يقول‏:‏ ساحر، وبعضهم يقول‏:‏ كاهن، وبعضهم يقول‏:‏ شاعر، إلى غير ذلك من تخليطهم، قال * ع *‏:‏ والمريج‏:‏ المضطرب أيضاً، وهو قريب من الأَول؛ ومنه مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، ومن الأَوَّلِ ‏{‏مَرَجَ البحرين‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 53‏]‏‏.‏

ثم دَلَّ تعالى على العبرة بقوله‏:‏ ‏{‏أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى السماء‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، ‏{‏وزيناها‏}‏ أي‏:‏ بالنجوم، والفروج‏:‏ الفطور والشقوقُ خلالها وأثناءها؛ قاله مجاهد وغيره‏.‏

* ت *‏:‏ وقال الثعلبي بأثر كلام للكسائي‏:‏ يقول‏:‏ كيف بنيناها بلا عَمَدٍ، وَزَيَّنَّاها بالنجوم، وما فيها فتوق‏؟‏ ‏{‏والأرض مددناها‏}‏ أي‏:‏ بسطناها على وجه الماء، انتهى، والرواسي‏:‏ الجبال، والزوج‏:‏ النوع، والبهيج‏:‏ الحَسَنُ المنظر؛ قاله ابن عباس وغيره، والمنيب‏:‏ الراجع إلى الحَقِّ عن فكرة ونظر؛ قال قتادة‏:‏ هو المُقْبِلُ إلى اللَّه تعالى، وخَصَّ هذا الصنف بالذكر؛ تشريفاً لهم من حيثُ انتفاعُهُم بالتبصرة والذكرى، ‏{‏وَحَبَّ الحصيد‏}‏‏:‏ البُرُّ، والشعير، ونحوُهُ مِمَّا هو نبات مُحَبَّبٌ يُحْصَدُ؛ قال أبو حيان‏:‏ ‏{‏وَحَبَّ الحصيد‏}‏ من إضافة الموصوف إلى صفته على قول الكوفيين، أو على حذف الموصوف وإقامة الصفة مُقَامه، أي‏:‏ حب الزرع الحصيد على قول البصريين، و‏{‏باسقات‏}‏ حال مُقَدَّرَةٌ؛ لأَنَّهَا حالةَ الإنبات ليست طوالاً، انتهى، و‏{‏باسقات‏}‏‏:‏ معناه طويلات ذاهبات في السماء، والطَّلْعُ أول ظهور التمر في الكُفَّرَى، قال البخاريُّ‏:‏ و‏{‏نَّضِيدٌ‏}‏ معناه‏:‏ مَنْضُودٌ بعضُه على بعض، انتهى، ووصف البلدة بالميت على تقدير القطر والبلد‏.‏

ثم بَيَّنَ سبحانه موضع الشَّبَهِ فقال‏:‏ ‏{‏كذلك الخروج‏}‏ يعني‏:‏ من القبور، وهذه الآيات كلها إنَّما هي أَمْثِلَة وأَدِلَّة على البعث، ‏{‏وأصحاب الرس‏}‏‏:‏ قوم كانت لهم بئر عظيمة، وهي الرَّسُّ، وكُلُّ ما لم يُطْوَ من بئر، أو مَعْدِنٍ، أو نحوه فهو رَسٌّ، وجاءهم نبيٌّ يُسَمَّى حَنْظَلَةَ بن سفيان فيما رُوِيَ فجعلوه في الرَّسِّ وردموا عليه، فأهلكهم اللَّهُ، وقال الضَّحَّاك‏:‏ الرَّسُّ بئر قُتِلَ فيها صاحب «يسا»، وقيل‏:‏ إنَّهم قوم عاد، واللَّه أعلم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كُلٌّ‏}‏ قال سيبويه‏:‏ التقدير‏:‏ كُلُّهم، والوعيد الذي حَقَّ‏:‏ هو ما سبق به القضاءُ من تعذيبهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 17‏]‏

‏{‏أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ‏(‏15‏)‏ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ‏(‏16‏)‏ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ‏(‏17‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَفَعَيِينَا‏}‏ توقيف للكفار، وتوبيخ، والخلق الأَوَّلُ‏:‏ إنشاء الإنسان من نُطْفَةٍ على التدريج المعلوم، وقال الحسن‏:‏ الخلق الأول‏:‏ آدم، واللَّبْسُ‏:‏ الشَّكُّ والريب، واختلاط النظر، والخَلْقُ الجديد‏:‏ البعث من القبور‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الإنسان‏:‏ اسم جنس، و‏{‏تُوَسْوِسُ‏}‏ معناه‏:‏ تتحدث في فكرتها، والوسوسةُ إنَّما تُسْتَعْمَلُ في غير الخير‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد‏}‏‏:‏ عبارة عن قُدْرَةِ اللَّه على العبد، وكونُ العبد في قبضة القدرة والعلم قد أُحِيط به، فالقرب هو بالقدرة والسُّلطان، إذ لا يَنْحَجِبُ عن علم اللَّه لا باطنٌ ولا ظاهر، والوريد‏:‏ عرق كبير في العُنُقِ، ويقال‏:‏ إنَّهما وريدان عن يمين وشمال‏.‏

وأَمَّا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ يَتَلَقَّى المتلقيان‏}‏ فقال المفسرون‏:‏ العامل في إذ ‏{‏أَقْرَبُ‏}‏ ويحتمل عندي أَنْ يكون العاملُ فيه فعلاً مُضْمَراً تقديره‏:‏ اذكر إذ يتلقى المتلقيان، و‏{‏المتلقيان‏}‏‏:‏ المَلَكَانِ المُوَكَّلان بكل إنسان، مَلَكُ اليمين الذي يكتب الحسناتِ، وملك الشمال الذي يكتب السيِّئات؛ قال الحسن‏:‏ الحَفَظَةُ أربعة‏:‏ اثنان بالنهار، واثنان بالليل، قال * ع *‏:‏ ويؤيد ذلك الحديث الصحيح‏:‏ «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ، مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ» الحديث بكماله، ويُرْوَى أَنَّ مَلَك اليمين أمير على ملك الشمال، وأَنَّ العبد إذا أَذنب يقول ملك اليمين للآخر‏:‏ تَثَبَّتْ؛ لَعَلَّهُ يتوبُ؛ رواه إبراهيم التيمي، وسفيان الثوري، و‏{‏قَعِيدٌ‏}‏‏:‏ معناه قاعد

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 22‏]‏

‏{‏مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ‏(‏18‏)‏ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ‏(‏19‏)‏ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ‏(‏20‏)‏ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ‏(‏21‏)‏ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ‏(‏22‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، قال الحسن بن أبي الحسن وقتادة‏:‏ يكتب الملكانِ جميعَ الكلام، فيثبت اللَّه من ذلك الحسناتِ والسيئات، ويمحو غيرَ هذا، وهذا هو ظاهر هذه الآية، قال أبو الجوزاء، ومجاهد‏:‏ يكتبان عليه كُلَّ شيء حتى أنينه في مرضه، وقال عِكْرَمَةُ‏:‏ يكتبان الخير والشَّرَّ فقط؛ قال * ع*‏:‏ والأوَّلُ أصوب‏.‏

* ت *‏:‏ وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال‏:‏ ‏"‏ كُلُّ شَيْءٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ ابْنُ آدَمَ، فَإنَّهُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ، إذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً، فَأَحَبَّ أَنْ يَتُوبَ إلَى اللَّه، فَلْيَأْتِ، فَلْيَمُدَّ يَدَيْهِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ يَقُولُ‏:‏ اللَّهُمَّ، إنِّي أَتُوبُ إلَيْكَ مِنْهَا، لاَ أَرْجِعُ إلَيْهَا أَبَداً، فَإنَّهُ يُغْفَرُ لَهُ مَا لَمْ يَرْجِعْ في عَمَلِهِ ذَلِكَ ‏"‏ رواه الحاكم في «المستدرك»، وقال‏:‏ صحيح على شرط الشيخين، يعني البخاريَّ ومسلماً، انتهى من «السِّلاح»، قال النَّوَوِيُّ رحمه اللَّه تعالى‏:‏ ينبغي لكل مُكَلَّفٍ أَنْ يحفظ لسانه من جميع الكلام إلاَّ كلاماً تظهر فيه مصلحته، ومتى استوى الكلامُ وتركه بالمصلحة فالسُّنَّةُ الإمساكُ؛ فإنَّهُ قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وهذا هو الغالب، والسلامة لا يعدلها شيءٌ، وقد صَحَّ عنه صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاريُّ ومسلم أَنَّه قال‏:‏ ‏"‏ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَصْمُتْ ‏"‏ وهو نَصٌّ صريح فيما قلناه، قال‏:‏ ورُوِّينَا في «كتاب الترمذيِّ» و«ابن ماجه» عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال‏:‏ ‏"‏ مِنْ حُسْنِ إسْلاَم المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ ‏"‏ قال الترمذيُّ‏:‏ حديث حسن، وفيه عن عُقْبَةَ بن عامر ‏"‏ قلت‏:‏ يا رَسُولَ اللَّهِ، مَا النَّجَاةُ‏؟‏ قَالَ‏:‏ أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وابك على خَطِيئَتِكَ ‏"‏ قال الترمذيُّ‏:‏ حديث حسن، وفيه عنه صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏ مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، دَخَلَ الجَنَّةَ ‏"‏ قال الترمذيُّ‏:‏ حديث حسن، انتهى، والرقيب‏:‏ المُرَاقِبُ، والعتيد‏:‏ الحاضر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَجَاءَتْ‏}‏ عطف، عندي، على قوله‏:‏ ‏{‏إِذْ يَتَلَقَّى‏}‏ فالتقدير‏:‏ وإذ تجيء سكرة الموت‏.‏

* ت *‏:‏ قال شيخُنَا، زينُ الدين العراقيُّ في أرجوزته‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

وَسَكْرَةُ المَوْتِ اختلاط الْعَقْلِ ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

البيت‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بالحق‏}‏ معناه‏:‏ بلقاء اللَّهِ، وَفَقْدُ الحياة الدنيا، وفراقُ الحياة حَقٌّ يعرفه الإنسانُ، ويحيد منه بأمله، ومعنى هذا الحيد أَنَّه يقول‏:‏ أعيش كذا وكذا، فمتى فكر حاد بذهنه وأمله إلى مسافة بعيدة من الزمان، وهذا شأن الإنسان، حَتَّى يفاجئه الأجل؛ قال عَبْدُ الحَقِّ في «العاقبة»‏:‏ وَلَمَّا احْتَضَرَ مالك بن أنس، ونزل به الموتُ قال لمن حضره‏:‏ لَيُعَاينَنَّ الناسُ غداً من عفو اللَّه وَسَعَةِ رحمته ما لم يخطر على قلب بشر، كُشِفَ له رضي اللَّه عنه عن سعة رحمة اللَّه وكثرة عفوه وعظيم تجاوُزِهِ ما أوجب أَنْ قال هذا، وقال أبو سليمان الدارانيُّ‏:‏ دخلنا على عابد نزوره، وقد حضره الموتُ، وهو يبكي، فقلنا له‏:‏ ما يبكيك رحمك اللَّه‏؟‏‏!‏ فأنشأ يقول‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

وَحُقَّ لِمِثْلِي البُكَا عِنْدَ مَوْتِه *** وَمَالِيَ لاَ أَبْكِي وَمَوْتِي قَدِ اقترب

وَلِي عَمَلٌ في اللَّوْحِ أَحْصَاهُ خَالِقِي *** فَإنْ لَمْ يَجُدْ بِالْعَفْوِ صِرْتُ إلَى الْعَطَبْ

انتهى، و‏{‏يَوْمَ الوعيد‏}‏‏:‏ هو يوم القيامة، والسائِقُ‏:‏ الحاثُّ على السير، واختلف الناسُ في السائق والشهيد، فقال عثمان بن عفان وغيره‏:‏ هما مَلَكَانِ مُوَكَّلاَنِ بكل إنسان أحدهما يسوقه، والآخر مِنْ حَفَظَتِهِ يشهد عليه، وقال أبو هريرة‏:‏ السائق‏:‏ مَلَكٌ، والشهيد‏:‏ العمل، وقيل‏:‏ الشهيد‏:‏ الجوارح، وقال بعض النظار‏:‏ سائق اسم جنس وشهيد كذلك، فالسَّاقَةُ للناس ملائكة مُوَكَّلُون بذلك، والشهداء‏:‏ الحَفَظَةُ في الدنيا، وكل مَنْ يشهد‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏كُلُّ نَفْسٍ‏}‏ يعمُّ الصالحين وغيرهم؛ فإنَّما معنى الآية شهيد بخيره وشَرِّهِ، ويقوى في شهيد اسم الجنس، فتشهد الملائكة، والبِقَاعُ والجوارحُ؛ وفي الصحيح‏:‏ «لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ إنْسٌ، وَلاَ جِنٌّ، وَلاَ شَيْءٌ إلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»‏.‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لَّقَدْ كُنتَ‏}‏ قال ابن عباس وغيره‏:‏ أَي‏:‏ يقال للكافر‏:‏ لقد كنتَ في غفلة من هذا، فلمَّا كُشِفَ الغطاءُ عنك الآنَ احْتَدَّ بصرُك، أي‏:‏ بصيرتك؛ وهذا كما تقول‏:‏ فلان حديد الذِّهْنِ ونحوه، وقال مجاهد‏:‏ هو بصر العين، أي‏:‏ احْتَدَّ التفاته إلى ميزانه، وغيرِ ذلك من أهوال القيامة‏.‏

والوجه عندي، في هذه الآية، ما قاله الحسن وسالم بن عبد اللَّه‏:‏ إنَّها مُخَاطَبَةٌ للإِنسان ذي النفس المذكورة من مؤمن وكافر، وهكذا، قال الفخر‏:‏ قال‏:‏ والأقوى أنْ يقال‏:‏ هو خطاب عامٌّ مع السامع، كأنَّهُ يقول‏:‏ ذلك ما كنتَ منه تحيد أيُّها السامع، انتهى، وينظر إلى معنى كشف الغطاء قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «النَّاسُ نِيَامٌ، فَإذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 28‏]‏

‏{‏وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ‏(‏23‏)‏ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ‏(‏24‏)‏ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ ‏(‏25‏)‏ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ‏(‏26‏)‏ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ‏(‏27‏)‏ قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ‏(‏28‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ قَرِينُهُ هذا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ‏}‏ قال جماعة من المفسرين‏:‏ يعني قرينه من زبانية جهنم، أي‏:‏ قال هذا العذاب الذي لدي لهذا الكافر، حاضر، وقال قتادة وابن زيد‏:‏ بل قرينه المُوَكَّلُ بسوقه، قال * ع *‏:‏ ولفظ القرين اسم جنس، فسائقه قرين، وصاحبُه من الزبانية قرين، وكاتب سيئاته في الدنيا قرين، والكُلُّ تحتمله هذه الآية، أي‏:‏ هذا الذي أحصيتُهُ عليه عتيد لَدَيَّ، وهو مُوجِبُ عذابه، والقرين الذي في هذه الآية غيرُ القرين الذي في قوله‏:‏ ‏{‏قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ‏}‏ إذ المقارنة تكون على أنواع‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ‏}‏ المعنى‏:‏ يقال‏:‏ أَلْقِيَا في جهنَّمَ، واخْتُلِفَ لمن يُقَالُ ذلك، فقال جماعة‏:‏ هو قول لِمَلَكَيْنِ من ملائكة العذاب‏.‏

وقال عبد الرحمن بن زيد‏:‏ هو قول للسائق والشهيد‏.‏

وقال جماعة من أهل العلم باللغة‏:‏ هذا جارٍ على عادة كلام العرب الفصيح أنْ يُخَاطَبَ الواحدُ بلفظ الاثنين؛ وذلك أَنَّ العربَ كان الغالبُ عندها أنْ يترافق في الأسفار ونحوها ثَلاَثَةٌ، فَكُلُّ واحد منهم يخاطِبُ اثنين، فَكَثُرَ ذلك في أشعارها وكلامها، حَتَّى صار عُرْفاً في المخاطبة، فاسْتُعْمِلَ في الواحد، ومن هذا قولهم في الأشعار‏:‏ ‏[‏من الطويل‏]‏

خَلِيلَيَّ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

وصَاحِبَيَّ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

‏[‏ومن الطويل‏]‏

قِفَانَبْكِ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

ونحوه‏.‏

وقال بعض المتأولين‏:‏ المراد «أَلْقِيَنْ»، فَعُوِّضَ من النون ألفٌ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن‏:‏ «أَلْقِياً» بتنوين الياء، و«عنيد» معناه‏:‏ عَانِدٌ عن الحق، أي‏:‏ مُنْحَرِفٌ عنه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ‏}‏ لفظ عامٌّ للمالِ والكلام الحَسَنِ والمُعَاوَنَةِ على الأشياء، و‏{‏مُعْتَدٍ‏}‏ معناه‏:‏ بلسانه ويده‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏الذى جَعَلَ مَعَ الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، يحتمل أنْ يكون ‏{‏الذى‏}‏ بدلاً من ‏{‏كَفَّارٍ‏}‏، أو صفةً له، وَيَقْوَى عندي أَنْ يكونَ ‏{‏الذى‏}‏ ابتداءً ويتضمن القولُ حينئذ بني آدم والشياطينَ المغوينَ لهم في الدنيا، ولذلك تَحَرَّكَ القرينُ، الشيطانُ المُغْوِي، فرام أَنْ يُبْرِئ نفسه ويخلصها بقوله‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ‏}‏ ليست بحجة؛ لأَنَّهُ كَذَبَ أَنْ نفى الإطغاء عن نفسه جملةً، وهو قد أطغاه بالوسوسة والتزيينِ، وأَطغاه اللَّه بالخلق والاختراع حسب سابق قضائه الذي هو عدل منه، سبحانه لا رَبَّ غيرُه‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ‏}‏ معناه‏:‏ قال اللَّه‏:‏ لا تختصموا لديَّ بهذا النوع من المقاولة التي لا تفيد شيئاً ‏{‏وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بالوعيد‏}‏ وهو ما جاءت به الرسلُ والكتب، وجُمِعَ الضمير؛ لأَنَّه مخاطبة لجميع القرناء؛ إذ هو أمر شائع لا يقف على اثنين فقط‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏29- 31‏]‏

‏{‏مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ‏(‏29‏)‏ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ‏(‏30‏)‏ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ‏(‏31‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ‏}‏ أي‏:‏ لا ينقض ما أبرمه كلامي من تعذيب الكفرة، ثم أزال سبحانه موضعَ الاعتراض بقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أَنَاْ بظلام لِّلْعَبِيدِ‏}‏ أي‏:‏ هذا عدل فيهم؛ لأَنِّي أنذرت، وأمهلت، وأنعمتُ، وقرأ الجمهور‏:‏ «يَوْمَ نَقُولُ» بالنون، وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر بالياء، وهي قراءة أهل المدينة، قال * ع *‏:‏ والذي يترجَّحُ في قول جهنم‏:‏ ‏{‏هَلْ مِن مَّزِيدٍ‏}‏ أَنَّها حقيقة، وأَنَّها قالت ذلك، وهي غير ملأى، وهو قول أنس بن مالك، ويبين ذلك الحديث الصحيح، وهو قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يَقُولُ اللَّهُ لِجَهَنَّمَ‏:‏ هَلِ امْتَلأْتِ‏؟‏ وَتَقُولُ‏:‏ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ‏؟‏‏!‏ حَتَّى يَضَعَ الجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ، فَتَقُولُ‏:‏ قَطْ قَطْ، وَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ ‏"‏ ولفظ البخاريِّ عن أبي هريرةَ قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ‏:‏ أُوثِرْتُ بِالْمُتَكبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الجَنَّةُ‏:‏ مَا لِيَ، لاَ يَدْخُلُنِي إلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ‏؟‏‏!‏ فَقَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ‏:‏ أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلَّنارِ‏:‏ إنَّما أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةِ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَلاَ تَمْتَلِئ حَتَّى يَضَعَ ‏[‏الجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ‏]‏ فَتَقُولُ‏:‏ قَطْ قَطْ، فَهُنَاكَ تَمْتَلِئ وَيَزْوِي بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، وَلاَ يَظْلِمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ خَلْقِهِ أَحَداً، وَأَمَّا الجَنَّةُ فَإنَّ اللَّهَ يُنْشِئ لَهَا خَلْقَاً ‏"‏ انتهى، قال * ع *‏:‏ ومعنى‏:‏ «قدمه» ما قَدَّمَ لها من خلقه وجعلهم في علمه ساكنيها؛ ومنه‏:‏ ‏{‏أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 2‏]‏ ومِلاَكُ النظر في هذا الحديث أَنَّ الجارحةَ، والتشبيهَ، وما جرى مجراه مُنْتَفٍ كُلُّ ذلك عن اللَّه سبحانه، فلم يبقَ إلاَّ إخراجُ اللفظ على الوجوه السائغة في كلام العرب‏.‏

‏{‏وَأُزْلِفَتِ الجنة‏}‏ معناه‏:‏ قُرِّبَتْ، ولما احتمل أنْ يكونَ معناه بالوعد والإخبار رفع الاحتمال بقوله‏:‏ ‏{‏غَيْرَ بَعِيدٍ‏}‏ قال أبو حيان‏:‏ ‏{‏غَيْرَ بَعِيدٍ‏}‏ أي‏:‏ مكاناً غيرَ بعيد؛ فهو منصوب على الظرف، وقيل‏:‏ منصوب على الحال من الجنة، انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏32- 37‏]‏

‏{‏هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ‏(‏32‏)‏ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ‏(‏33‏)‏ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ‏(‏34‏)‏ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ‏(‏35‏)‏ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ‏(‏36‏)‏ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ‏(‏37‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏هذا مَا تُوعَدُونَ‏}‏ يحتمل أنْ يكونَ معناه‏:‏ يقال لهم في الآخرة عند إزلاف الجنة‏:‏ هذا الذي كنتم توعدون به في الدنيا، ويحتمل أنْ يكون خطاباً لِلأُمَّةِ، أي‏:‏ هذا ما توعدون أَيُّها الناس ‏{‏لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ‏}‏‏:‏ والأَوَّابُ‏:‏ الرَّجَّاعُ إلى الطاعة وإلى مراشد نفسه، وقال ابن عباس وعطاء‏:‏ الأَوَّابُ‏:‏ المُسَبِّحُ؛ من قوله‏:‏ ‏{‏ياجبال أَوِّبِى مَعَهُ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 10‏]‏ وقال المُحَاسِبِيُّ‏:‏ هو الراجع بقلبه إلى ربه، وقال عبيد بن عمير‏:‏ كُنَّا نتحدث أَنَّه الذي إذا قام من مجلسه استغفر اللَّه مِمَّا جرى في ذلك المجلس، وكذلك كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يفعل، والحفيظ معناه‏:‏ لأوامر اللَّه، فيمتثلها، ولنواهيه فيتركها، وقال ابن عباس‏:‏ حفيظ لذنوبه حَتَّى يرجعَ عنها، والمُنِيبُ‏:‏ الراجع إلى الخير المائِلُ إليه؛ قال الدَّاوُودِيُّ‏:‏ وعن قتادَةَ ‏{‏بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ‏}‏ قال‏:‏ مُقْبِلٌ على اللَّه سبحانه، انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ادخلوها‏}‏ أي‏:‏ يقال لهم‏:‏ ادخلوها‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ‏}‏ خبر بأَنَّهم يُعْطَوْنَ آمالهم أجمع، ثم أبهم تعالى الزيادةَ التي عنده للمؤمنين المُنَعَّمِينَ، وكذلك هي مُبْهَمَةٌ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 17‏]‏ وقد فسر ذلك الحديثُ الصحيحُ، وهو قوله عليه السلام‏:‏ ‏"‏ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى‏:‏ أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ‏:‏ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، بَلْهَ مَا اطَّلَعْتُمْ عَلَيْهِ ‏"‏ قال * ع *‏:‏ وقد ذكر الطبريُّ وغيره في تعيين هذا المزيد أحاديثَ مطولة، وأشياءَ ضعيفةً؛ لأَنَّ اللَّه تعالى يقول‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ‏}‏ وهم يعينونها تكلفاً وتعسفاً‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَنَقَّبُواْ فِى البلاد‏}‏ أي‏:‏ ولجوا البلادَ من أنقابها؛ طمعاً في النجاة من الهلاك ‏{‏هَلْ مِن مَّحِيصٍ‏}‏ أي‏:‏ لا محيصَ لهم، وقرأ ابن عباس وغيره‏:‏ «فَنَقِّبُوا» على الأمر لهؤلاء الحاضرين‏.‏

* ت *‏:‏ وعبارة البخاريِّ «فَنَقَّبُوا»‏:‏ ضربوا، وقال الداودي‏:‏ وعن أبي عبيدةَ ‏{‏فَنَقَّبُواْ فِى البلاد‏}‏‏:‏ طافوا، وتباعدوا، انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِى ذَلِكَ‏}‏ يعني‏:‏ إهلاك مَنْ مضى ‏{‏لِذِكْرِى‏}‏ أي‏:‏ تذكرة، والقلبُ عبارة عن العقل؛ إذْ هو مَحِلُّهُ، والمعنى‏:‏ لمن كان له قلب واعٍ ينتفعُ به، وقال الشبليُّ‏:‏ معناه‏:‏ قلب حاضر مع اللَّه، لا يغفلُ عنه طرفةَ عين‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ‏}‏ معناه‏:‏ صَرَفَ سَمْعَهُ إلى هذه الأنباء الواعظة، وأثبته في سماعها ‏{‏وَهُوَ شَهِيدٌ‏}‏ قال بعض المتأولين‏:‏ معناه‏:‏ وهو مشاهِد مُقْبَلٌ على الأمر، غيرُ مُعْرِضٍ ولا مُفَكِّرٍ في غير ما يسمع‏.‏

* ت *‏:‏ ولفظ البخاريِّ ‏{‏أَوْ أَلْقَى السمع‏}‏ أي‏:‏ لا يحدث نفسَه بغيره ‏{‏شَهِيدٌ‏}‏ أي‏:‏ شاهد بالقلب، انتهى، قال المُحَاسِبيُّ في «رعايته»‏:‏ وقد أَحْبَبْتُ أَنْ أَحُضَّكَ على حُسْنِ الاستماع؛ لتدركَ به الفهمَ عن اللَّه عز وجل في كُلِّ ما دعاك إليه؛ فإنَّه تعالى أخبرنا في كتابه أَنَّ مَنِ استمع كما يُحِبُّ اللَّهُ تعالى وَيَرْضَى، كان له فيما يستمع إِليه ذِكْرَى، يعني‏:‏ اتعاظاً، وإذا سَمَّى اللَّه عز وجل لأحد من خلقه شَيْئاً فهو له كما سَمَّى، وهو واصل إليه كما أخبر؛ قال عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِى ذلك لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ‏}‏ قال مجاهد‏:‏ شاهد القلب، لا يُحَدِّثُ نفسَه بشيء ليس بغائب القلب، فَمَنِ استمع إلى كتاب اللَّه عز وجل، أو إلى حكمة، أو إلى علم، أو إلى عِظَةٍ، لا يُحَدَّثُ نفسَه بشيء غيرِ ما يستمع إليه، قَدْ أشهد قَلْبَهُ ما استمع إليه، يريدُ اللَّهَ عز وجل به‏:‏ كان له فيه ذكرى؛ لأَنَّ اللَّه تعالى قال ذلك، فهو كما قال عز وجل، انتهى كلام المحاسبيِّ، وهو دُرٌّ نفيس، فَحَصِّلْهُ، واعملْ به تَرْشُدْ، وقد وجدناه، كما قال، وباللَّه التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏38- 40‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ‏(‏38‏)‏ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ‏(‏39‏)‏ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ‏(‏40‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا السموات والأرض‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ خَبَرٌ مضمَّنه الرَّدُّ على اليَهُودِ الذين قالوا‏:‏ إنَّ اللَّه خلق الأشياء كلها، ثم استراح يَوْمَ السبت، فنزلت‏:‏ ‏{‏وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ‏}‏ واللُّغُوب‏:‏ الإعياء والنَّصَبُ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاصبر على مَا يَقُولُونَ‏}‏ أي‏:‏ ما يقوله الكفرة من أهل الكتاب وغيرِهم، وعَمَّ بذلك جميعَ الأقوال الزائِغَةِ من قريش وغيرهم ‏{‏وَسَبِّحْ‏}‏ معناه‏:‏ صَلِّ بِإجماعٍ من المتأولين‏.‏

* ت *‏:‏ وفي الإِجماع نظر؛ وقد قال الثعلبيُّ ‏{‏وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ‏}‏ أي‏:‏ قل سبحان اللَّه والحمدُ للَّه؛ قاله عطاء الخُرَاسَانِيُّ، انتهى، ولكن المخرَّجُ في الصحيح إنما هو أمر الصلاة، وقال ابن العربيِّ في«أحكامه»‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنَ اليل فَسَبِّحْهُ‏}‏ فيه أربعة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ أَنَّه تسبيحُ اللَّهِ في الليل، ويَعْضُدُ هذا القولَ الحديثُ الصحيحُ‏:‏ ‏"‏ مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ‏:‏ لاَ إله إلاَّ اللَّهُ ‏"‏ الحديثَ، وقد ذكَرْنَاهُ في سورة «المزمل»‏.‏

والثاني‏:‏ أنَّها صلاةُ الليل‏.‏

والثالث‏:‏ أَنَّها ركعتا الفجر‏.‏

والرابع‏:‏ أَنَّها صلاة العشاء الآخرة، انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بِحَمْدِ رَبِّكَ‏}‏ الباء للاقتران، أي‏:‏ سَبِّح سبحة يكون معها حَمْدٌ، و‏{‏قَبْلَ طُلُوعِ الشمس‏}‏ هي الصبح، ‏{‏وَقَبْلَ الغروب‏}‏‏:‏ هي العصر؛ قاله ابن زيد والناس، وقال ابن عباس‏:‏ الظهر والعصر، ‏{‏وَمِنَ اليل‏}‏‏:‏ هي صلاة الْعِشَاءَيْنِ، وقال ابن زيد‏:‏ هي العشاء فقط، وقال مجاهد‏:‏ هي صلاة الليل‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وأدبار السجود‏}‏ قال عمر بن الخطاب وجماعة‏:‏ هي الرَّكْعَتَانِ بعد المغرب، وأَسنده الطبريُّ عن ابن عباس عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال * ع *‏:‏ كَأَنَّهُ رُوعِيَ أَدبارُ صلاة النهار، كما رُوعي أدبار النجوم في صلاة الليل، وقال ابن عباس أيضاً، وابن زيد، ومجاهد‏:‏ هي النوافل إثر الصلوات، وهذا جارٍ مع لفظ الآية، وقرأ نافع، وابن كثير، وحمزة‏:‏ «وَإدْبَارَ» بكسر الهمزة، وهو مصدر، وقرأ الباقون بفتحها، وهو جمع دُبُر؛ كطُنُب وأَطْنَاب، أي‏:‏ وفي أدبار السجود، أي‏:‏ في أعقابه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏41- 45‏]‏

‏{‏وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ‏(‏41‏)‏ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ‏(‏42‏)‏ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ‏(‏43‏)‏ يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ‏(‏44‏)‏ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ‏(‏45‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏واستمع يَوْمَ يُنَادِ المناد مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ‏}‏ واستمع بمنزلة‏:‏ وانتظر، وكذا، أي‏:‏ كُنْ مُنتظراً له، مستمعاً له، فعلى هذا فَنَصْبُ «يوم» إنَّما هو على المفعول الصريح‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ‏}‏ قيل‏:‏ وصفه بالقرب من حيث يسمع جميع الخلق، ورُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إِنَّ مَلَكاً يُنَادِي مِنَ السَّمَاءِ‏:‏ أَيَّتُهَا الأَجْسَامُ الْهَامِدَةُ، وَالْعِظَامُ الْبَالِيَةُ، وَالرِّمَمُ الذَّاهِبَةُ هَلُمِّي إلَى الْحَشْرِ وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ‏"‏ والصيحة‏:‏ هي صيحة المنادي، والخروج‏:‏ هو من القبور، ويومُه هو يومُ القيامة، ويومُ الخروج في الدنيا‏:‏ هو يوم العيد‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ‏}‏‏:‏ معادل لقول الكفرة‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 3‏]‏‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ‏}‏ وعيد محض للكفرة‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ‏}‏ قال الطبري وغيره‏:‏ معناه‏:‏ وما أنت عليهم بمُسَلَّطٍ، تُجْبِرُهُمْ على الإيمان‏.‏

وقال قتادة‏:‏ هو نهيٌ من اللَّه تعالى عن التجبر، والمعنى‏:‏ وما أنت عليهم بمتعظم من الجبروت، وروى ابن عباس أَنَّ المؤمنين قالوا‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ خَوَّفْتَنَا‏!‏ فَنَزَلَتْ‏:‏ ‏{‏فَذَكِّرْ بالقرءان مَن يَخَافُ وَعِيدِ‏}‏‏.‏